محمد جواد مغنية

50

في ظلال نهج البلاغة

وقد تكون الحكمة في إخبار الملائكة من قبل ، أن لا يفاجئوا بوجوب السجود لآدم ، فيشتد وقعه عليهم . . أو انه تعالى أراد أن يعلمنا كيف نفعل إذا أردنا أن نخبر أو نطلب شيئا من شخص لم يكن ذلك في حسبانه ، كما هو شأن الملائكة آنذاك بالنسبة لآدم والسجود له ، ولذا قالوا : * ( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ) * - 30 البقرة وكأنهم يقولون للَّه تعالى : ولما ذا آدم ، ونسل آدم البغاة العصاة اجعلنا نحن خلفاء الأرض ، وسترى عبادتنا وطاعتنا لك . . فقال لهم عز من قائل : « اني أعلم ما لا تعلمون » . وعندها خشوعا و * ( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) * - 32 البقرة . ( فسجدوا إلا إبليس اعترته الحمية ، وغلبت عليه الشقوة ) . أبدا ما صدرت أية بادرة من آدم في حق إبليس . . كيف وقد كان آدم في عالم الغيب حين أضمر له إبليس العداوة والبغضاء . بيّت له السوء ، لا لشيء إلا لأنه علم وأيقن بأن اللَّه سيفضله عليه ، وجاءه هذا العلم من قوله تعالى : * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) * . ( وتعزز بخلقة النار ، واستهون خلق الصلصال ) . يشير إلى قول إبليس : « أنا خير منه - أي من آدم - خلقتني من نار وخلقته من طين - 12 الأعراف » . ومنذ القديم اكتشف الانسان ان في النار أحياء تتكيف بطبعها مع النار . قال صاحب « البحار » في مجلد « السماء والعالم » ص 647 طبع الحجر : « قال بعضهم : ان كرة النار مملوءة من الروحانيات » تماما كقطرة الماء ، وقال الجدد من أهل الاختصاص : ان نوعا من الأحياء يعيش في الهواء السام ، وآبار البترول . ( فأعطاه اللَّه النظرة استحقاقا للسخطة ) . طلب إبليس من اللَّه أن يمهله ، ويبقيه حيا ما دام على وجه الأرض إنسان ، ليتولى غواية البشر أبناء آدم وعدوّه الأكبر ، طلب الإمداد له ، وهو يعلم أن ذلك يعود عليه بالشر والوبال ، ومع هذا أصر وآثر أن يتحمل كل شيء من أجل التنكيل بآدم وذريته والانتقام منهم . . فاختار اللَّه تعالى لإبليس ما اختار هو لنفسه ، واستحق غضب اللَّه وعذابه بسوء ما اختار : * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا